محمد بن وليد الطرطوشي
150
سراج الملوك
الباب السابع في بيان الحكمة في كون السلطان في الأرض اعلموا أرشدكم الله : أنّ في وجود السلطان في الأرض ، حكمة للّه تعالى عظيمة ، ونعمة على العباد جزيلة ، لأنّ الله سبحانه جبل الخلق على حبّ الانتصاف ، وعدم الإنصاف « 1 » ، ومثلهم بلا سلطان : مثل الحيتان في البحر يزدرد « 2 » الكبير الصغير ، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر ، ولم يستقم لهم معاش ، ولم يهنئوا بالحياة ، ولهذا قال بعض القدماء : لو رفع السلطان من الأرض ، ما كان للّه في أهل الأرض من حاجة . ومن الحكم التي في إقامة السلطان : أنّه من حجج الله تعالى على وجوده سبحانه ، ومن علاماته على توحيده ، لأنه كما لا يمكن استقامة أمور العالم واعتداله بغير مدبّر ينفرد بتدبيره ، كذلك لا يتوهّم وجوده وترتيبه ، وما فيه من الحكمة ، ودقائق الصنعة بغير خالق خلقه ، وعالم أتقنه ، وحكيم دبّره . وكما لا يستقيم سلطانان في بلد واحد ، لا يستقيم إلهان للعالم ، والعالم بأسره في سلطان الله تعالى ، كالبلد الواحد في يد سلطان الأرض ، ولهذا قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : أمران جليلان لا يصلح أحدهما إلا بالتفرد ، ولا يصلح الآخر إلا بالمشاركة ، وهما الملك والرأي فكما لا يستقيم الملك بالشركة لا يستقيم الرأي بالانفراد به . ومثال السلطان القاهر لرعيّته ، والرّعية بلا سلطان ، مثال بيت فيه سراج منير ، وحوله فئام « 3 » من الخلق يعالجون صنائعهم ، فبينما هم كذلك ، طفئ السّراج ، فقبضوا أيديهم للوقت ، وتعطل جميع ما كانوا فيه ، فتحرّك الحيوان الشّرير ، وخشخش ، الهام الخسيس « 4 » ، ودبّت العقرب « 5 » من مكمنها ،
--> ( 1 ) حب الانتصاف وعدم الإنصاف : أي من طبع الإنسان أن يسعى لأخذ حقه ولا يسعى لإعطاء الناس حقوقهم . ( 2 ) يزدرد : يبتلع . ( 3 ) فئام من الخلق : الفئام : الجماعة ، ( ولا واحد له من لفظه ) . ( 4 ) خشخش الهام الخسيس : الهام والهامة جمعها هوامّ وهو ما كان له سمّ كالحيّة ، ومعنى خشخش : أي سمع له صوت عند اصطكاكه . ( 5 ) دبّت العقرب من مكمنها : أي خرجت وسرت من موضع اختبائها .